حين تُهمش الجبال: حديث عن إملشيل والتنمية وصوت الشباب المهمش

حين تُهمش الجبال: حديث عن إملشيل والتنمية وصوت الشباب المهمش


حين تُهمش الجبال: حديث عن إملشيل والتنمية وصوت الشباب المهمش



في عالم يختلط فيه الصخب بالحقائق، تبقى الحكايات الإنسانية الأكثر صدقًا. في هذا الحوار، لا نسعى للإثارة ولا للمجاملات، بل للمعنى، لتجربة تشبه واقعنا، ولصوت يذكّرنا بأن خلف كل وجه صمت يستحق الإنصات.

ضيفنا اليوم هو أسامة باريك، شاب من منطقة إيميلشيل، تلك البقعة الجبلية العريقة التي تحتفظ بأصالة الأطلس والإنسان الأمازيغي. في حوار صريح، لم يتردد أسامة في طرح الأسئلة الصعبة، ليس من باب النقد السلبي، بل من رغبة حقيقية في أن نغدو أفضل.


من نحن؟ ومن أين نبدأ؟

يعرف أسامة نفسه ببساطة: "أنا مواطن بالدرجة الأولى، أؤمن بالدولة، وأحترم المؤسسات، وأحترم كل من يعمل لمصلحة هذا البلد". لكن إيمانه بالدولة لا يعني قبوله بالوضع القائم، بل يرى أن المغرب، بمؤهلاته الجغرافية والبشرية والتاريخية، يستحق أفضل مما هو عليه.

قصته مع صناعة المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي لم تبدأ من فراغ. فقد لاحظ أن منصات التواصل تعج بما يُسمّى بـ"صناع التفاهة"، لكنه رفض هذا الوصف المبسط. ما يراه البعض تفاهة قد يكون في الواقع تعبيرًا عن مشاكل اجتماعية تحتاج للتحليل، لا للسخرية. ومن هنا جاءت رغبته في أن يقدّم بديلًا، لا مجرد نقد.

"الهدف ليس أن نشكو، بل أن ننوّع العرض. فلنمنح المتلقي خيارًا: بين محتوى سطحي وآخر يشغّل العقل".


إميلشيل: جمال الطبيعة وقسوة الإهمال

تُعدّ إيميلشيل من أجمل المناطق القروية في المغرب. جبالها شامخة، بحيراتها ساحرة، ثقافتها غنية وتراثها عميق. تستقطب السياح من أوروبا وأميركا وأستراليا ليكتشفوا جمالها الذي لا نراه نحن دومًا.

لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن أشهر منطقة قروية في المغرب تعيش في تهميش صارخ.

"المنطقة أنصفها الطبيعة، لكن لم ينصفها صانع القرار".

لا طرق مهيئة، ولا بنية تحتية تليق بهذا الجمال، ولا مشاريع تنموية حقيقية. كل شتاء، تُعاد ذات المعاناة: الطرق تُغلق، السكان يُعزلون، وتتكرر المعاناة كما لو كان شريطًا مكسورًا.


من المسؤول؟

أسامة يرى أن المسؤول الأول عن هذا الوضع هو تهميش النخب المحلية. في إيميلشيل، هناك شباب مثقفون، باحثون، كتّاب وخبراء، لكن لا أحد يستمع إليهم. القرار يأتي من "المركز"، دون استشارة أهل المنطقة أو فهم خصوصياتها.

"المقاربة التشاركية التي يرددها السياسيون... أين هي من واقعنا؟ نحن نعيش العزلة، بينما يتحدثون عن التنمية من وراء مكاتبهم في الرباط!"


هل المحتوى قادر على تغيير الواقع؟

يؤمن أسامة أن المحتوى ليس مجرد صدى، بل أداة لصناعة الوعي. من خلال الأفكار والقراءة والتحليل، يحاول أن يكوّن "عدسة" ينظر بها إلى الواقع ويطرح الأسئلة الصحيحة. لكنه يقرّ: لا يمكن للمحتوى وحده بناء مستشفى أو إصلاح طريق. هو بداية، لا نهاية.

"نحن لا ننتج حلولًا جاهزة، نحن نصنع أسئلة تُجبر من بيده القرار أن يبحث عن إجابات".


الهجرة والشباب المكسور

كل عام يغادر عشرات الشباب إيميلشيل، ليس لعدم حبهم لأرضهم، بل لأن الأرض لم تعد قادرة على احتضان طموحاتهم. لا فرص عمل، لا مشاريع صناعية تحويلية، رغم الإنتاج الزراعي الغني للمنطقة والثروات المعدنية والسياحة المميزة.

حتى المشاريع الصغيرة، مثل إنشاء فندق ريفي أو نُزل، تصطدم بغياب البنية التحتية: الطرق السيئة، انعدام الخدمات الأساسية، وضعف الاتصال.

"السائح يأتي مرة واحدة... ثم لا يعود، لأنه يمرض ولا يجد مستشفى، أو تتعطل سيارته على طريق غير معبد".


الحلول ليست ترقيعية بل استراتيجية

أسامة يرى أن الحل لا يكمن في "قوافل طبية" أو "حملات تبرعات"، فهي مجرد اعتراف بالفشل لا إنجاز. الحل الحقيقي يتمثل في:

  • تفعيل الجهوية المتقدمة بشكل حقيقي، لا شكلي.

  • تمكين الجماعات المحلية من اتخاذ قراراتها وفق حاجياتها.

  • استثمار الثروات المحلية (زراعية، معدنية، سياحية) في مشاريع دائمة، لا موسمية.

  • الاستماع إلى الشباب المحلي، لا فرض الحلول من الأعلى.

"نحن لسنا لاجئين! نحن مواطنون ندفع الضرائب، ونستحق بنية تحتية كريمة".


عن الجمعيات ووهم التنمية المدنية

يوجه أسامة نقدًا لاذعًا للجمعيات التنموية التي أصبحت أحيانًا وسيلة للتهرب من مسؤولية الدولة.

"التنمية ليست تفويضًا للمجتمع المدني! هي واجب على الدولة. كيف نطلب من جمعية أن تبني مستوصفًا بينما الدولة تتقاعس عن أبسط الخدمات؟"

العمل الجمعوي يجب أن يقتصر على المجالات التطوعية (كالرياضة، الثقافة، الإغاثة)، لا أن يُستخدم كذريعة لتبرير غياب الدولة.


رسالة أخيرة: لا صمت بعد اليوم

يختم أسامة كلامه برسالة قوية:

"المثقف الذي لا يتحدث، ككتاب موضوع على الرف، لا ينفعه أحد. نحن لا ننتقد الدولة، بل التهميش. ننتقد لأننا نحب وطننا ونريد له الأفضل".

ويخاطب الشباب:

"لا تبقوا صامتين. تكلّموا، سجّلوا، حلّلوا، دافعوا عن مناطقكم، فأنتم صوت من لا صوت له".


خاتمة

هذا الحوار ليس مجرد انتقادات، بل نداء من جبال الأطلس: نداء للعدالة، للتوازن، وللكرامة.
المغرب لا يُبنى فقط في المدن الكبرى، بل أيضًا في القرى النائية، في جباله المهمشة، في أعين شباب لم يُعطَ لهم حقهم في الحلم.

المصدر: مقابلة خاصة مع أسامة باريك في برنامج "استوديو سي"






حين تُهمش الجبال: حديث عن إملشيل والتنمية وصوت الشباب المهمش حين تُهمش الجبال: حديث عن إملشيل والتنمية وصوت الشباب المهمش بواسطة نعانعانا في فبراير 15, 2026 تقييم: 5

ليست هناك تعليقات:

ads
يتم التشغيل بواسطة Blogger.