رواية “أنفاس متقطعة” بين الألم والأمل: قراءة في تجربة الكاتبة زبيدة ومسار الفتاة القروية نحو الإبداع

رواية “أنفاس متقطعة” بين الألم والأمل: قراءة في تجربة الكاتبة زبيدة ومسار الفتاة القروية نحو الإبداع


مقدمة

في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات على الشاشات أكثر مما تُقرأ في الكتب، يبرز سؤال جوهري: هل ما زالت الكتابة قادرة على إنقاذ ما تبقى من أرواح تختنق بصمت؟
ضمن هذا السياق، جاءت تجربة الكاتبة زبيدة، أستاذة الرياضيات المنحدرة من العالم القروي، لتقدم نموذجًا ملهمًا يجمع بين الصرامة العلمية وشفافية الأدب، عبر روايتها أنفاس متقطعة” التي اختارت أن تجعل من الألم صوتًا، ومن الفقدان سردًا، ومن المعاناة طريقًا نحو الوعي.

هذا المقال يقدم قراءة تحليلية لمسار زبيدة التعليمي والإبداعي، ويقف عند أبعاد روايتها، ورسائلها التربوية والاجتماعية، في سياق أوسع يرتبط بقضايا التعليم القروي، وتمكين الفتاة، والتحول الرقمي في عالم القراءة.

المسار الدراسي: من الهامش إلى صناعة الذات

تنتمي زبيدة إلى منطقة قروية واجهت فيها مبكرًا تحديات الولوج إلى التعليم الثانوي، ما اضطرها إلى مغادرة مسقط رأسها لمتابعة دراستها. اختارت مسارًا علميًا بامتياز، حصلت على البكالوريا في شعبة العلوم الفيزيائية، ثم تابعت دراستها الجامعية في الفيزياء إلى غاية الماستر.

لكن المسار لم يكن خطًا مستقيمًا. جائحة كورونا أوقفت جزءًا من خططها، فاشتغلت في التعليم الأولي، تجربة وصفتها بأنها محطة مفصلية في تشكيل شخصيتها، مستحضرة مقولة ألبرت أينشتاين:

"إذا لم تستطع أن تشرح فكرة لطفل في السادسة، فأنت لم تفهمها جيدًا."

تجربة التعليم الأولي لم تكن مجرد عمل مؤقت، بل مختبرًا حقيقيًا لاختبار الصبر، والمرونة، وفهم النفس الإنسانية. وبعد سلسلة من التحولات المهنية، التحقت سنة 2024 بقطاع التعليم، أستاذة لمادة الرياضيات.

التعليم في العالم القروي: الحاجة إلى عدالة لا صدقة

في تقييمها لوضع التعليم القروي، لا تتحدث زبيدة بلغة الشكوى، بل بلغة الإنصاف. تؤكد أن العالم القروي لا يحتاج إلى مساعدات ظرفية، بل إلى "عدالة تعليمية وتكافؤ الفرص".

تشير إلى إشكالات بنيوية، أبرزها:

  • نقص الموارد البشرية المؤهلة.

  • ضعف البنيات الثقافية (مكتبات، أندية، جمعيات).

  • عدم ملاءمة بعض الأطر التربوية مع خصوصية الوسط القروي.

وترى أن الطاقات موجودة في الهامش، لكنها تحتاج إلى من "يسلط الضوء عليها".

من الرياضيات إلى الرواية: كيف وُلدت “أنفاس متقطعة”؟

رغم خلفيتها العلمية، لم تتخلَّ زبيدة عن شغفها بالكتابة. بدأت بخواطر وقصص قصيرة، قبل أن تقرر خوض تجربة الرواية. تقول في هذا السياق:

"لا يجوز أن تكون قارئًا نهمًا للحرف والرواية ولا تتحدى نفسك لتصبح كاتبًا."

فكرة الرواية

“أنفاس متقطعة” ليست مجرد عنوان شاعري، بل تصور رمزي لحياة شخصيات "ليس لها صوت". الرواية تتناول قصة أسرة يهجرها الأب في ظروف غامضة، فتجد الأم نفسها مضطرة للخروج من دائرة الاعتماد إلى فضاء المواجهة، فيما تعيش الابنة صراع الفقد والهوية.

الرواية تستكشف:

أثر غياب الأب نفسيًا واجتماعيًا.   هشاشة الأدوار داخل الأسرة  الصراع الداخلي للمرأة بين القوة المفروضة والهشاشة المكبوتة. تعقيدات العلاقة مع السلطة الرمزية (الأب، الطبيب النفسي، المجتمع).

تؤكد زبيدة أن العمل يمزج بين التجربة الشخصية والملاحظة المجتمعية، مشيرة إلى أن كل عمل أول يحمل "رقعًا من حياة الكاتب".

الألم كطاقة إبداع: فلسفة الكتابة عند زبيدة

تصف زبيدة الكتابة بأنها ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية:

"الكتابة ليست فعل ترفيه، بل لحظة صدق عارية يتقدم فيها الكاتب نحو الورق كما يتقدم العابد نحو محرابه."

وترى أن المعاناة ليست لعنة، بل أداة مزدوجة:
إما أن تدفع الإنسان نحو الإبداع، أو تسحبه نحو الانهيار.

في هذا السياق، تتبنى رؤية تعتبر أن كل جرح يمكن تحويله إلى قصة، وكل ألم يمكن أن يصبح معرفة مشتركة.

التكنولوجيا والقراءة: هل قتلت الشاشات الكتاب؟

في خضم الجدل حول تأثير التكنولوجيا على القراءة، تقدم زبيدة مقاربة متوازنة. فهي ترى أن الرقمنة لم تقتل الكتاب، بل وسعت دائرة الوصول إليه.

تقول إن الكتب الإلكترونية ساعدت الطلبة الذين لا تسمح ظروفهم بشراء الكتب الورقية، كما أن النشر الرقمي كان بوابة إصدار روايتها قبل طباعتها ورقيًا.

بالنسبة لها، التكنولوجيا أداة محايدة:

"التكنولوجيا مثل ثوب، أنت من تحدد مقاسه."

الكتابة في الهامش: أزمة النشر ودعم المواهب القروية

رغم صدور طبعة ثانية من الرواية في ظرف وجيز، تؤكد زبيدة أن الكاتب الصاعد، خصوصًا في العالم القروي، يواجه تحديات حقيقية:

  • تكاليف النشر المرتفعة.

  • ضعف الدعم المؤسسي.

  • غياب منصات احتضان المواهب القروية.

وترى أن تسليط الضوء على المركز دون الهامش يُفقد المشهد الثقافي توازنه، مؤكدة أن "من الميكرو يتشكل الماكرو"، أي أن تراكم التجارب الصغيرة يصنع المشهد الثقافي الكبير.

رسائل إلى الفتاة القروية والتلاميذ

في خطابها للفتاة القروية، تدعو زبيدة إلى الثقة بالنفس، وعدم الإنصات للأصوات المحبطة، وتقول:

"ضعي أحلامك في القمر لا في النجوم."

أما للتلاميذ، فتؤكد أن القراءة ضرورة يومية، سواء كانت ورقية أو إلكترونية، معتبرة أن كل كتاب "حجر يُلقى في بركة راكدة فيحرك ماء الأفكار".

 ما بعد العاصفة… شهيق الحياة

تجربة زبيدة ليست مجرد مسار كاتبة صاعدة، بل قصة عبور من الهامش إلى التأثير. بين الرياضيات والرواية، وبين القسم والكتاب، تقدم نموذجًا للمرأة القروية التي ترفض أن تكون حبيسة الصورة النمطية.

“أنفاس متقطعة” ليست فقط رواية عن الفقد، بل عن التحول. عن الألم الذي يصبح كتابة، وعن المعاناة التي تتحول إلى معنى.

وكما تختم روايتها:

"ما بعد العاصفة إلا الصفاء… وما بعد الأنفاس المتقطعة إلا شهيق الحياة وزفيرها."

 

المصدر: مقابلة مصورة ضمن برنامج "بين قوسين" عبر منصة سين ستوديو.

رواية “أنفاس متقطعة” بين الألم والأمل: قراءة في تجربة الكاتبة زبيدة ومسار الفتاة القروية نحو الإبداع رواية “أنفاس متقطعة” بين الألم والأمل: قراءة في تجربة الكاتبة زبيدة ومسار الفتاة القروية نحو الإبداع بواسطة نعانعانا في فبراير 20, 2026 تقييم: 5

ليست هناك تعليقات:

ads
يتم التشغيل بواسطة Blogger.