المغرب والسياسة الخارجية
قراءة متعمقة في منظور الأستاذ سعيد العنزي تاشفين
لقاء تحت ظلال التاريخ
جلست مع الأستاذ سعيد العنزي تاشفين في جلسة طويلة امتدت لساعات، حيث كانت الكلمات تتوالى بوتيرة طبيعية، وكأنها تعكس تراكم سنوات من متابعة السياسة الدولية وتحليلها بعين الحقوقي والمفكر. ما لفت انتباهي منذ البداية ليس فقط عمق المعلومات، بل قدرة الأستاذ على ربط كل حدث مع سياقه التاريخي، دون الانغماس في مجرد سرد للوقائع. في تقديري، تاشفين لا يرى السياسة الخارجية المغربية كمسألة رسمية أو بروتوكولية فقط، بل كامتداد طبيعي لتاريخ طويل من الدبلوماسية والفعل الدولي، حيث تتشابك القرارات الملكية مع التحالفات الإقليمية والدولية بطريقة دقيقة ومحددة.
كان من الواضح أن رؤيته مبنية على قاعدة أساسية: المغرب لم يكن يوماً دولة هامشية، بل دائماً لاعباً مؤثراً، سواء في البحر الأبيض المتوسط، أفريقيا، أو في السياسة الدولية العامة. هذه النظرة جعلتني أعيد التفكير في الكثير من المسلّمات حول السياسة المغربية، وأدركت أن الاستراتيجيات الحديثة ما هي إلا امتداد لمنهج طويل ومستمر.
المغرب بين إرث الأجداد ومتطلبات العصر
كيف يشكل التاريخ قاعدة للسياسة الحديثة؟
الأستاذ سعيد شدد على أن المغرب يحمل إرثاً تاريخياً عميقاً، يمتد منذ عهد الدولة العلوية، التي كانت دائماً حاضرة في معادلات البحر الأبيض المتوسط الكبرى. هذا الإرث يجعل المغرب لاعباً بطبيعته، ليس فقط لأنه يمتلك مقومات استراتيجية، بل لأنه جزء من شبكة علاقات متراكمة منذ قرون.
تاشفين أشار إلى أن الملك الراحل الحسن الثاني وضع المغرب في قلب الأحداث الدولية عبر مواقف حاسمة أثناء الحرب الباردة، وتعاون مع الحلفاء ضد الديكتاتوريات الأوروبية والآسيوية. الملك محمد السادس، بحسبه، واصل هذا النهج، لكنه أسس له على منهجية دقيقة، مدعومة بالقانون الدولي وبفهم معمّق لموازين القوى العالمية.
الدستور المغربي لعام 2011 جاء ليؤكد هذه الرؤية: الدفاع عن القضايا الإقليمية والقومية جزء أصيل من الدولة المغربية الحديثة. هنا يبدو أن السياسة الخارجية ليست مجرد خيار، بل التزام دستوري، ما يجعل كل خطوة أو مبادرة ذات بعد قانوني وسياسي مستند إلى بنية مؤسساتية متينة.
بناء التحالفات: الواقعية والبراغماتية
هل المغرب جزء من الحل أم من المشكلة؟
أكثر ما أثار إعجابي هو تركيز تاشفين على البراغماتية كقاعدة أساسية للدبلوماسية المغربية. المغرب، بحسبه، يسعى دائماً لتقديم نفسه كحل، لا كمعضلة. وهذا يظهر جلياً في تحالفاته مع دول الخليج العربي، وتركيا، وأوروبا، وأفريقيا.
الأستاذ سعيد ذكر أن المغرب لم يكتفِ بالتحالفات التقليدية، بل تبنّى رؤية جيوستراتيجية أوسع، تمتد من الساحل الأطلسي في المغرب إلى بلدان الساحل الإفريقي، من موريتانيا إلى تشاد، بما يسهل وصول هذه الدول إلى المحيط الأطلسي. هذه المبادرة، رغم بساطتها الظاهرية، تعكس فهماً استراتيجياً متقدماً لدور المغرب الإقليمي في تعزيز استقرار أفريقيا الغربية، وربط القضايا الاقتصادية والسياسية بشكل متوازن.
الديبلوماسية المغربية هنا لا تكتفي بالجانب النظري؛ فهي تطبيق عملي لمفهوم "رابح-رابح"، يسعى لإيجاد حلول مشتركة، وتقليل النزاعات، وإعطاء المغرب مكانة مرجعية في النقاشات الإقليمية والدولية.
الصحراء المغربية: اختبار الشرعية الدولية
كيف تُترجم الدبلوماسية الملكية إلى نتائج ملموسة؟
ملف الصحراء كان أحد المحاور الأكثر سخونة في الحوار. الأستاذ سعيد شدد على أن المكاسب الأخيرة للمغرب لم تكن صدفة، بل نتيجة دبلوماسية رصينة، تعتمد على مزيج من القانون الدولي، التحالفات الدولية، وفهم دقيق لموازين القوى.
اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء، فتح القنصليات الأجنبية، وضغط مجلس الأمن على الجزائر للجلوس على طاولة المفاوضات، كلها أمثلة على استراتيجية مدروسة بعناية. المغرب لم يتصرف بعشوائية؛ بل استخدم أدوات متفرقة من الصمت، الضغط، التحاور، والضغط القانوني، وفق توقيت مدروس، ما جعله رقماً أساسياً في المجلس الدولي.
الأستاذ سعيد لم يغفل الإشارة إلى أن هذه الاستراتيجية تعتمد على الحنكة الملكية، التي تجمع بين المعرفة القانونية، القدرة على التحليل، وفهم التفاصيل الدقيقة للعلاقات الدولية. هذا المزيج يجعل المغرب ليس فقط مدافعاً عن مصالحه، بل لاعباً مؤثراً في صياغة التوازنات الدولية.
المغرب في قلب التوازنات الدولية
هل الحياد الإيجابي ممكن في عالم متوتر؟
حسب حديث تاشفين، المغرب نجح في التموقع كدولة صاعدة ضمن التوازنات الكبرى: علاقاته مع الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، روسيا، والصين تظهر قدرة المغرب على التكيف مع قوى مختلفة، مع الحفاظ على مصالحه الوطنية. ما يلفت الانتباه هو مفهوم "الحياد الإيجابي" الذي يطبقه المغرب، خصوصاً في النزاعات العربية الخليجية، مما يعكس دبلوماسية متوازنة لا تنحاز إلا لمصالح استراتيجية واضحة، وتحمي مكانة المغرب في محيط مضطرب.
تاشفين أشار إلى أن هذه القدرة على الموازنة والتحرك الذكي بين القوى العظمى جعلت المغرب رقماً أساسياً في توازنات السياسة الدولية، وهو ما يظهر في التعامل مع كل الملفات الكبرى، سواء اقتصادية، سياسية، أو أمنية.
الملك محمد السادس: بين العلم والحنكة
كيف تتحول المعرفة إلى نفوذ دولي؟
أخيراً، ركز الأستاذ سعيد على دور الملك محمد السادس في صياغة هذه السياسة الخارجية. ليس مجرد رمز، بل شخص يملك معرفة عميقة بالقانون الدولي والعلاقات الدولية، حاصل على درجات عليا، بما فيها الدكتوراه. هذه الخلفية العلمية تمنحه قدرة فريدة على إدارة الأزمات والتفاوض على أعلى المستويات، وتوظيف المعرفة لصالح مصالح المغرب بشكل مباشر.
تاشفين أشار إلى أن هذه الخبرة الملكية، إلى جانب الدبلوماسية الملكية الراسخة، سمحت للمغرب بالحفاظ على مكانته في الفضاء الدولي، تعزيز الاستثمارات الأجنبية، وحماية وحدة التراب الوطني، مع التوازن الدقيق بين الطموحات الوطنية والتحالفات الدولية.
في نهاية اللقاء، كان واضحاً أن المغرب، رغم كل التحديات الإقليمية والدولية، أصبح رقماً أساسياً في معادلة السياسة العالمية، وأن استراتيجيته تقوم على مزيج من التاريخ، المعرفة، الحنكة، والبراغماتية. الأستاذ سعيد تاشفين جعلني أرى السياسة الخارجية المغربية ليس كملف رسمي جامد، بل كسلسلة متصلة من المبادرات المدروسة، المرتبطة بالهوية، الإرث التاريخي، والمصالح الوطنية. ربما لم ينته كل شيء، لكن الطريق الذي وضعه المغرب يبدو، في تقديره، واضحاً ومدروساً، وهو ما يمنح أي مراقب بصيص أمل في أن يظل المغرب فاعلاً ومؤثراً في السنوات القادمة.
بواسطة نعانعانا
في
مارس 04, 2026
تقييم:
%20(3).png)

ليست هناك تعليقات: