فيضانات شمال المغرب: درس في هشاشة البنية التحتية
هل نقرأ المطر كما نقرأ التاريخ؟
في لقائي مع الأستاذ سعيد العنزي تاشفين، بدا واضحاً أن الحديث عن الفيضانات الأخيرة في شمال المغرب لم يكن مجرد رصد تقلبات الطقس أو تسجيل خسائر مؤقتة. كان حديثه حاداً، مليئاً بالملاحظات الدقيقة، وكأنه يضعني أمام مرآة الواقع الحقيقي. في تقديري، كان يحاول أن يجعلني أفهم أن هشاشة البنية التحتية ليست مجرد مسألة تقنية، بل انعكاس لغياب تصور استراتيجي طويل المدى، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع المدني.
الفيضانات التي اجتاحت القصر الكبير والمدن المحيطة ليست حادثاً منعزلاً، بل كشف عن فجوة واضحة في إدارة الأزمات، وعن ضعف التخطيط العمراني الذي لم يأخذ بعين الاعتبار طبيعة السهول، ولا الفائض المائي الذي قد يتحول إلى خطر. يبدو أن المغرب يعيش بين عجز مائي وفائض مائي، متناوباً بين التوتر والجفاف، وبين الأمطار الغزيرة، دون أن تكون هناك رؤية متكاملة لكيفية التعامل مع هذه المتغيرات.
إدارة الفائض والماء: بين الخطر والفرصة
ماذا لو استثمرنا فائض المياه بدل إهداره؟
الأستاذ العنزي شدد على سؤال بسيط لكنه جوهري: كيف يمكن أن يصل مستوى السدود إلى 160% من السعة، في حين يُترك فائض الماء ليجرف الأراضي، بدل أن يتم استثماره بشكل استراتيجي؟ في تقديري، هذا يعكس قصوراً في التخطيط، حيث المشاريع الكبرى مثل تحلية مياه البحر للدار البيضاء ضرورية، لكنها منفصلة عن تصور متكامل لإدارة الموارد والمخاطر.
تحدث العنزي عن أهمية التفكير الاستباقي: ماذا لو حدثت قوة قاهرة، زلزال أو فيضان؟ هنا يظهر الفرق بين التفكير العادي والتفكير الاستراتيجي. إدارة الأزمات تقوم على سيناريوهات متعددة، وعلى استعداد المؤسسات للتصرف قبل وقوع الكارثة. يبدو لي أننا في المغرب ما زلنا نعيش تحت ضغط اللحظة، حيث تأتي القرارات بعد وقوع الأزمة، لا قبلها، وهذا ما يضاعف التحديات.
الفيضانات والسياسة العمرانية: أزمة التخطيط
هل المدن تتوسع بلا عقل؟
حديث الأستاذ العنزي عن المدن الكبرى مثل طنجة والقنيطرة ومكناس كشف عن أزمة عميقة في السياسة العمرانية. الدعم السخي لشراء العقارات داخل المدن، مقابل الإهمال شبه الكامل للسهول، يخلق فجوة اجتماعية واقتصادية، ويزيد هشاشة الفضاء الحضري أمام الكوارث الطبيعية. يبدو أن التمويل يشجع البناء في المناطق غير المناسبة، بينما الأراضي الأكثر أماناً تبقى مهملة، ما يجعل الفيضانات كارثة أكبر.
في تقديري، المشكلة ليست مجرد امتداد مدني، بل غياب الربط بين التخطيط العمراني والأمن المائي والغذائي. لماذا تُهدر الأراضي الزراعية في السهول؟ لماذا لا تتحول المدن إلى مشاريع متكاملة تحمي السكان والموارد؟ هذه الأسئلة كانت حاضرة باستمرار في كلام العنزي، وهي تكشف عن ضعف المؤسسات في تصور المدينة بشكل علمي واستراتيجي.
إدارة الأزمات: بين الواقع والممارسة الدولية
هل نملك مفاتيح التعلم من الآخرين؟
الأستاذ العنزي أشار إلى تجارب دول مثل الولايات المتحدة، حيث يتم حفر أنابيب لتصريف الفيضانات فوراً، وتدريب القوات على الاستجابة الفورية. في المغرب، الأنهار تصرف مياهها في المحيط الأطلسي بلا أي استثمار استراتيجي. يبدو لي أن العنزي يريد أن يوضح أن إدارة الأزمات ليست رفاهية، بل ضرورة وجود مؤسسات قادرة على التعامل مع أي سيناريو، من الفيضانات إلى الجفاف.
تجربة المغرب الأخيرة أظهرت قدرة الدولة على التحرك بسرعة، لكن ضمن ضغوط استثنائية، وليس وفق استراتيجية مستدامة. المشهد أعاد تسليط الضوء على ضرورة دمج إدارة الأزمات في مؤسسات الدولة، وربطها بالعلم والمجتمع المدني، بحيث تصبح الوقاية جزءاً من السياسة اليومية، لا مجرد استجابة لحادثة محددة.
الأمن المائي والغذائي: التحدي الاستراتيجي للمغرب
هل نفكر بما يكفي في 2040؟
أكثر ما بقي عالقاً في ذهني بعد اللقاء هو التساؤل عن المستقبل. كيف ستبدو المدن المغربية في 2040 إذا استمر التخبط في إدارة الموارد والمياه؟ هل ستتوسع الدار البيضاء لتصبح ميغالوبوليس بلا تخطيط؟ هل ستظل الفيضانات تهدد السهول والموارد الزراعية؟
العنزي دعا إلى إدخال علم إدارة الأزمات في التعليم العالي، وفي مؤسسات الدولة، وربطه بالعلوم الدقيقة والاجتماعية معاً. يبدو لي أن دعوته تعني أن التحديات القادمة ليست مجرد فيضانات أو نقص مياه، بل مشهد استراتيجي يتطلب تأهيل المؤسسات، وتثقيف المجتمع، وربط التفكير الحضري بالمخاطر الطبيعية والمستقبلية.
في تقديري، الفيضانات الأخيرة يجب أن تكون نقطة تحول: لحظة لمراجعة السياسات العمرانية، لإعادة توزيع الموارد، ولتفعيل التخطيط المسبق للمياه والطاقة والزراعة. ربما لم يكن يقصد ذلك حرفياً، لكنه كان يلمّح إلى ضرورة تحول عقل الدولة والمجتمع نحو إدراك المخاطر بشكل دائم، لا عندما يصبح الوضع طارئاً.
دور المجتمع والدولة: بناء ثقافة استباقية
كيف نربط التخطيط بالعقل الاستراتيجي؟
أستاذ العنزي كان حريصاً على تسليط الضوء على دور المجتمع المدني في إدارة الأزمات. المؤسسات التعليمية، الجامعات، الأحزاب السياسية، كلها بحسبه يجب أن تشارك في صياغة السياسات الاستراتيجية، لا أن تبقى متفرجة. يبدو لي أن هذا ينقلنا إلى مسألة أساسية: الاستعداد المستقبلي ليس مهمة الدولة وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين كل المؤسسات، وبين المواطن أيضاً.
في تقديري، إذا ما قرر المغرب تبني إدارة أزمات شاملة، فهذا سيؤدي إلى إعادة بناء البنية التحتية، وربط المدن بالسهول، وتأمين الموارد المائية، وحتى ضمان استدامة الأمن الغذائي. الفيضانات الأخيرة لم تكن مجرد كارثة، بل فرصة لفهم أن التخطيط الاستراتيجي، والمشاركة المجتمعية، هما وحدهما قادران على مواجهة المستقبل المتقلب.
استنتاجات مفتوحة: لحظة للتفكير لا للحسم
بين الدروس والتحديات المقبلة
ما يتركه حديث الأستاذ سعيد العنزي تاشفين هو شعور بالمسؤولية الجماعية. ليس المطلوب فقط الحديث عن الكوارث، بل التفكير العميق في السياسة العمرانية، وإدارة الموارد، واستباق المخاطر. يبدو لي أننا أمام لحظة حرجة، تحتاج إلى وعي أكبر، وابتكار مؤسسي حقيقي، يجعل من الفيضانات والمياه الزائدة فرصة لإعادة بناء عقل الدولة، وربط الإنسان بالبيئة، وبالمستقبل الذي نحلم به.
في تقديري، الدرس الأساسي هو أن الفيضانات ليست نهاية الطريق، لكنها مرآة لما فقدناه في التخطيط، وما يمكن أن نحققه إذا ما تجرأنا على التفكير الاستراتيجي، وربط المعرفة بالقرار، والعلم بالممارسة، والحكومة بالمجتمع. ربما لم يكن يقصد ذلك حرفياً، لكن حضوره الفكري يفرض علينا أن نعيد النظر في كل ما نعتبره مسلمات: المدن، المياه، الزراعة، التعليم، والسياسة كلها متشابكة في شبكة واحدة، لا يمكننا فصلها عن بعضها.

ليست هناك تعليقات: