العدالة المجالية: بين النظرية والتطبيق في قلب المغرب



مع الأستاذ سعيد العنزي تاشفين في جلسة طويلة، مشحونة بتفاصيل دقيقة حول واقع المغرب المجالي. أجواء اللقاء كانت غير رسمية، لكنه استطاع أن يجعل كل فكرة تتدفق في دماغي كما لو كنا نتحرك معاً على خرائط افتراضية للمملكة. كان صوته هادئاً، لكن كلماتُه تحمل ثقل الواقع الذي نعيشه، وطرح سؤالاً مركزياً: كيف يمكن أن يضمن المغرب لمواطنيه نفس الحقوق والفرص في كل زاوية من أرضه، من طنجة إلى درعفلات، ومن جبال الأطلس إلى السواحل البعيدة؟

يبدو لي أن العنزي لا يراه مجرد نقاش أكاديمي، بل كإطار تحليلي عملي لفهم التفاوتات بين المناطق، وكيف يمكن أن تؤثر السياسات العمومية والاقتصاد والمخططات التنظيمية في هذا الفضاء. العدالة المجالية ليست مصطلحاً جامداً، بل طريقة لفهم المغرب كما هو، بكل تناقضاته وفروقات تطوره.

من المفهوم إلى الواقع

العدالة المجالية بين السياسة والاقتصاد

في تقديري، العنزي لم يكتفِ بتقديم تعريف نظري للعدالة المجالية، بل ربطها مباشرة بالسياسات العمومية والقوانين التنظيمية، كما شدد على دور الاقتصاد والمخططات الترابية للجماعات المحلية. تحدث عن القوانين التنظيمية 111 و112 و113، وشرح كيف تهدف هذه القوانين إلى توزيع التنمية بشكل متوازن بين الجهات، من خلال منح الجهات صلاحيات تنفيذية محلية وتقريب القرار من المواطنين.

لكن، كما أشار، الواقع لا يزال بعيداً عن هذه النظرية. المغرب منذ الاستقلال شهد تفاوتات واضحة بين المدن القديمة المستعمرية مثل الدار البيضاء ومراكش والرباط، التي تمتعت ببنى تحتية متطورة، وبين المناطق النائية والريفية، التي بقيت خارج دائرة التنمية الرسمية. يبدو أن السؤال الذي يطرحه العنزي ليس مجرد تقليل الفجوة الاقتصادية، بل البحث عن نموذج متكامل يضمن لكل مغربي القدرة على الاستفادة من الخدمات والفرص الأساسية، بغض النظر عن موقعه الجغرافي.

إرث الاستعمار والتفاوتات المستمرة

حين يصبح التاريخ أداة لفهم الحاضر

العنزي يربط التفاوتات الحديثة بالماضي الاستعماري للمملكة، موضحاً أن الحماية الفرنسية والإسبانية تركت بصمة واضحة على بنية المدن الكبرى. المدن الكولونيالية مثل الدار البيضاء والرباط تم تجهيزها ببنية تحتية متطورة لخدمة المصالح الاقتصادية الاستعمارية، بينما بقيت مناطق أخرى مهمشة.

في تقديري، هذه العودة إلى التاريخ ليست مجرد استعراض للحقائق، بل وسيلة لفهم جذور التفاوتات. لقد حاول المغرب بعد الاستقلال معالجة هذه الفجوات، بدءاً من مخطط المغرب النافع وغير النافع، مروراً بالخطوات الدستورية منذ دستور 1962، وصولاً إلى التقسيم الإداري الحالي الذي يحوي 12 جهة بدلاً من 16. لكن هذه الجهود، كما يشير العنزي، لم تكن كافية لتوحيد مستوى التنمية أو تقديم فرص متساوية لكل المناطق.

يبدو لي أن العنزي يريد أن يقول لنا شيئاً أكثر عمقاً: لا يمكن تحقيق العدالة المجالية دون الاعتراف بالإرث التاريخي، وفهم كيف ساهمت السياسات السابقة في خلق تفاوتات بنيوية مستمرة. وهذا ما يربط العدالة المجالية مباشرة بالعدالة التاريخية، وليس فقط بالسياسات الاقتصادية الحالية.

القطبية الاقتصادية وتأثيرها على المغرب الآخر

مدن تتقدم وسواحل ومناطق نائية تتخلف

أبرز ما شد انتباهي في حديث العنزي هو تصويره للمغرب بسرعتين: هناك المغرب المتقدم، المجهز بأكبر الأبراج والملاعب العالمية والترامواي، وهناك المغرب المهمش، الذي لا يزال يعاني من نقص البنى التحتية والخدمات الأساسية.

تساءل العنزي كيف يمكن أن يكون هناك تكافؤ حقيقي عندما تساهم الدار البيضاء وحدها بـ41% من الناتج الداخلي، بينما لا تتجاوز مساهمة مناطق مثل درعفلات وجرادة وواحات بني ملال 6–8%. هنا يظهر الفرق الجوهري بين العدالة الاقتصادية والعدالة المجالية؛ فالأولى ترتبط بالناتج القومي فقط، بينما الثانية تشمل القدرة على الوصول إلى الخدمات والفرص والحقوق الأساسية.

في تقديري، هذه النقطة تحمل بعداً دولياً. فالمغرب، مثل العديد من الدول النامية، يواجه تحدياً مزدوجاً: الاستمرار في النمو الاقتصادي في المدن الكبرى، وفي نفس الوقت ضمان أن التنمية هذه لا تترك مناطق كاملة خارج دائرة الاستفادة. العنزي يلمح إلى أن سياسات الربط بالكهرباء والماء والطرق ليست كافية إذا لم ترافقها سياسات تحفيزية لاستقرار السكان وتشجيع الإنتاج المحلي.

مقاربة القرب والديمقراطية الترابية

هل تكفي السياسات الرسمية لتصحيح الفجوات؟

العنزي يربط العدالة المجالية بالديمقراطية الترابية، موضحاً أن الإدارة المركزية وحدها لا تستطيع تحقيق التوازن. يجب أن تتدخل الجماعات المحلية، الإدارة اللاممركزة، المجتمع المدني، والجامعات، لتشكيل آليات تشاركية تقود إلى حلول متكاملة.

في تقديري، ما يطرحه هو دعوة لتفكير جماعي بمنطق "تينك تانك" داخلي، يسمح بمراجعة القرارات الحكومية عبر معطيات حقيقية على الأرض. ولفت الانتباه إلى مفهوم التمييز الإيجابي لصالح العالم القروي: دعم السكان للاستقرار، منح تسهيلات مالية لمن يريد بناء منزل أو الاستثمار، وضمان أن الفرص الاقتصادية لا تقتصر على المدن الكبرى. هذه الفكرة تحمل بعداً عملياً، يذهب إلى قلب السياسات الاجتماعية، ويقترح أدوات ملموسة لتقليص الفجوات.

الاستدامة والتحدي الاستراتيجي

المغرب كأرض واحدة: بين الجبال والسهول والسواحل

أعمق ما طرحه العنزي هو الربط بين العدالة المجالية والأمن القومي. فالمناطق الجبلية والواحات والريف ليست فقط أماكن يعيش فيها المواطن، بل مناطق استراتيجية يجب حمايتها للحفاظ على الوحدة الترابية واستقرار السكان.

تحدث عن أهمية الاهتمام بالجبال، الوحى، الشفوح، وسلاسل الأطلس الكبير والصغير والمتوسط، وكيف أن الاستثمار في هذه المناطق ليس رفاهية بل ضرورة استراتيجية. ربما يكون العنزي يريد أن يقول إن التنمية المتوازنة تحفظ الموارد البشرية، تمنع الهجرة الداخلية القسرية، وتخلق بيئة مستقرة اقتصادياً واجتماعياً، وهو شرط للحفاظ على المغرب كدولة متجانسة.

في تقديري، هذه الرؤية تجعل العدالة المجالية أوسع من كونها سياسة اقتصادية أو توزيع خدمات، بل أداة للحفاظ على تماسك الدولة واستدامة المجتمع. إن الإهمال في هذه المناطق لا يهدد التنمية المحلية فحسب، بل يشكل خطراً على الاستقرار الاجتماعي والأمن القومي.

في نهاية اللقاء، بقيت أفكر في كلمة السرعة التي كررها العنزي أكثر من مرة: مغرب بسرعتين، المغرب المتقدم والمغرب المهمش. السؤال الذي يتركه لنا الحوار ليس مجرد إحصائية، بل تحدٍ حقيقي: كيف يمكن أن نبني دولة متجانسة، يشعر فيها كل مواطن بالقيمة والحقوق، ولا يترك أحد خلف الركب؟

ربما لم يقدم الأستاذ العنزي وصفة جاهزة، لكنه قدم لنا خريطة دقيقة لفهم المغرب كما هو، بكل تناقضاته وفرصه وتحدياته، وجعلني أعيد التفكير في جدوى السياسات العمومية التي تركز فقط على المدن الكبرى. في تقديري، العدالة المجالية ليست خياراً، بل ضرورة وطنية، واستثماراً في استقرار المغرب على المدى الطويل.

بواسطة نعانعانا في مارس 04, 2026 تقييم: 5

ليست هناك تعليقات:

ads
يتم التشغيل بواسطة Blogger.