من إملشيل إلى قمرة القيادة: قصة لمياء أعقى وحلم قيادة الطائرة
من إملشيل إلى قمرة القيادة:
قصة لمياء أعقى وحلم قيادة الطائرة
في قلب جبال الأطلس، حيث تبدو المسافات أطول من الطرق، وملامح الحياة أبسط من المدن الصاخبة، تنمو أحلام كبيرة في صمت. من هناك، من قرية إملشيل، خرجت لمياء أعقى، تلميذة في السنة الأولى بكالوريا علوم رياضية، حاملةً حلماً لم يتوقف عند حدود الجغرافيا ولا عند بساطة الإمكانات: أن تصبح ربان طائرة.
قصتها ليست مجرد رحلة عابرة في قمرة قيادة، بل تجسيد لتحول داخلي عميق، ولرسالة أمل موجهة لكل فتاة قروية ترى في الحلم ترفاً بعيد المنال.
الطفولة في إملشيل: أحلام تنمو وسط البساطة
نشأت لمياء في بيئة قروية بسيطة، تصف طفولتها بأنها “بسيطة للغاية”، في مجتمع محدود الإمكانات والرؤية. كانت أحلام الأطفال هناك غالباً ما تُختصر في ما يرونه حولهم أو يسمعونه من الآباء والأجداد.
غير أن هذه البساطة لم تمنع تشكل طموح مختلف. فداخل تلك البيئة الهادئة، كانت تتكوّن رؤية أوسع، تبحث عن أفق أبعد من حدود القرية.
من فيديو عفوي إلى رحلة مع الخطوط الملكية المغربية
في سن الثالثة عشرة، وأثناء إقامتها في دار الطالبة، شاركت لمياء في روبورتاج نظمته إحدى الجمعيات حول تحديات الفتاة القروية. تحدثت حينها بثقة عن طموحها، وأنهت كلمتها بعبارة واضحة: تريد أن تصبح ربان طائرة.
بعد عامين، جاء الاتصال الذي لم يكن في الحسبان. عبر مبادرة من الخطوط الملكية المغربية، تم منحها فرصة السفر واختيار وجهتها بنفسها. لم تتردد في اختيار إسطنبول، المدينة التي كانت تسميها “بلد الأحلام”.
كانت الرحلة إلى إسطنبول أكثر من مجرد سفر؛ كانت تجربة اقتراب من الحلم.
لحظة في قمرة القيادة: حين يصبح الحلم ملموساً
أكثر اللحظات تأثيراً في مسار لمياء كانت دخولها إلى قمرة القيادة. تصف ذلك الشعور بقولها:
“الكلمات تخون أحياناً في وصف مثل هذه المشاعر”.
تحدثت عن اختلاط الفرح بالتوتر، وعن إحساس داخلي عميق بأن ذلك المقعد هو المكان الذي يليق بحلمها. وتضيف في عبارة مؤثرة:
كانت التجربة بمثابة إزالة للغموض عن المستقبل، ورسخت لديها قناعة أن المسافة بينها وبين هدفها ليست سوى وقت وجهد.
تحديات الفتاة القروية: بين نقص الإمكانات وقوة الإرادة
تؤكد لمياء أن الفتاة القروية تبذل جهداً مضاعفاً مقارنة بنظيرتها في الوسط الحضري. فإلى جانب ضعف البنية التحتية، وصعوبة الوصول إلى المعلومة، وضعف شبكة الإنترنت، هناك أيضاً البعد العاطفي الناتج عن الدراسة بعيداً عن الأسرة.
وترى أن المجتمع القروي أحياناً يضع حدوداً غير مرئية لطموحات الفتاة، عبر تضييق أفق التفكير وربط الأحلام بما هو مألوف ومتاح فقط.
لكنها في المقابل تعتبر هذه التحديات محفزات وليست عوائق، وتقول بوضوح:
“غياب الإمكانيات ليس عائقاً، بل يمكن أن يكون سلماً نصعد به نحو الحلم”.
بين الحلم المكتوب والحلم المعاش
تميّز لمياء بين نوعين من الأحلام: ذلك الذي يُكتب على الورق، وذلك الذي يُعاش واقعاً. وتعتبر أن كتابة الحلم هي الخطوة الأولى، لكن الطريق نحوه يتطلب سنوات من الاجتهاد، والانضباط، والتوكل.
كما تشدد على أهمية التميز الدراسي، وإتقان اللغات، وبناء شخصية قوية قادرة على تحمل المسؤولية وخوض المغامرات، خاصة في مهنة دقيقة كقيادة الطائرات.
التجربة وبناء الثقة بالنفس
تؤمن لمياء بأن الإنسان “نتيجة للتجارب التي يعيشها”. فكل تجربة، بحسب تعبيرها، تعيد تشكيل شخصيته وتكشف له جوانب جديدة من ذاته.
وترى أن الثقة بالنفس لا تُبنى بالكلام، بل بالمواجهة، وبالاحتكاك بالواقع، وبخوض مغامرات محسوبة تعيد تعريف الحدود الشخصية.
رسالة إلى الفتيات والتلاميذ: الحلم حق مشروع
توجه لمياء رسالة واضحة للفتيات اللواتي يعشن ظروفاً مشابهة: لا شيء مستحيل ما دام الحلم صادقاً والإرادة حاضرة. تدعوهن إلى التمسك بالتفاؤل، وإلى تذكّر صورة الحياة التي يطمحن إليها كلما اشتدت التحديات.
كما توصي التلاميذ عموماً باستثمار كل يوم كفرصة للتطور، والتركيز على تعلم اللغات، وعدم التفريط في القراءة، معتبرة أنها “غذاء للعقل” وأداة أساسية لمواكبة العصر.
تمكين الفتاة القروية: أفق يتجاوز القصة الفردية
قصة لمياء أعقى تعكس تحولات أعمق في المجتمع المغربي، خاصة فيما يتعلق بتمكين الفتاة القروية وربط التعليم بآفاق مهنية غير تقليدية. فولوج مجالات مثل الطيران لم يعد حكراً على بيئات معينة، بل أصبح مرتبطاً بالكفاءة والاجتهاد.
كما أن مبادرات المؤسسات الوطنية، مثل الخطوط الملكية المغربية، في دعم المواهب الشابة، تسهم في خلق نماذج ملهمة تعيد تعريف الممكن.
خاتمة: هل يمكن لحلم صغير أن يغيّر حياة كاملة؟
تجربة لمياء تثبت أن الحلم، مهما بدا صغيراً في بيئة محدودة الإمكانات، يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتحول جذري في مسار الحياة. المسافة بين قرية في الأطلس وقمرة قيادة طائرة قد تبدو شاسعة، لكنها تختصر أحياناً في قرار، وفي كلمة قيلت بثقة أمام كاميرا، وفي إصرار لا ينطفئ.
السؤال لم يعد: هل الحلم أكبر من الواقع؟
بل: هل نملك الشجاعة الكافية لنمنحه فرصة أن يكبر؟
بواسطة نعانعانا
في
فبراير 20, 2026
تقييم:


ليست هناك تعليقات: