واقع التمريض في العالم القروي بالمغرب
واقع التمريض في العالم القروي بالمغرب: بين ضغط المسؤولية ونقص الموارد وصعود الطب التقليدي
في ظل التحديات التي يعرفها القطاع الصحي في المغرب، يبرز واقع التمريض في العالم القروي كأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا. فالممرض في المناطق النائية لا يؤدي دورًا تقنيًا فحسب، بل يتحول إلى حلقة وصل بين المواطن والمنظومة الصحية، وإلى عنصر استقرار اجتماعي في بيئات تعاني العزلة وضعف الإمكانيات.
هذا الواقع يضع الممرض أمام مسؤوليات مضاعفة، في سياق تتقاطع فيه قلة الموارد، نقص الأطر الطبية، انتشار الأمراض الموسمية، وصعود الطب التقليدي كخيار بديل. ومن خلال تجربة ميدانية لممرضة تزاول عملها في منطقة قروية، تتضح ملامح صورة مركبة تستحق التوقف والتحليل.
التمريض في القرى: واجب مهني يتجاوز حدود الإمكانيات
تصف الضيفة واقع عملها بأنه "مواجهة دائمة بين الواجب المهني وقلة الوسائل". فالممرض في العالم القروي يشكل غالبًا الخط الأول في الرعاية الصحية، وهو أول من يستقبل المريض وأسرته داخل المركز الصحي.
لا يقتصر دوره على تقديم العلاجات التمريضية، بل يشمل أيضًا المهام الإدارية، تنفيذ البرامج الصحية الوطنية، التواصل مع الساكنة، وتقديم التوعية والتحسيس. وتؤكد أن الممرض في القرى هو "العمود الفقري للرعاية الصحية"، نظرًا لكونه أحيانًا الإطار الصحي الوحيد المتواجد بشكل دائم.
غير أن هذا الدور يترافق مع ضغط نفسي كبير، خصوصًا عندما يختلط لدى المواطنين دور الممرض بدور الطبيب، ما يرفع سقف التوقعات ويضعه في موقع مساءلة مستمرة.
نقص الأطر الطبية وتأثيره على جودة الخدمة
من أبرز التحديات التي تعاني منها الرعاية الصحية القروية في المغرب نقص الأطر الطبية، خاصة الأطباء. وفي كثير من الحالات، يضطر الممرض إلى إحالة المرضى إلى مستويات علاجية أعلى، وهو ما لا يتقبله بعض المواطنين بسبب البعد الجغرافي أو ضعف الإمكانيات المادية.
وتوضح الضيفة أن صلاحيات الممرض محددة قانونيًا، غير أن الواقع يفرض أحيانًا اتخاذ قرارات صعبة بدافع إنساني. هذا الوضع يخلق توترًا مباشرًا بين المواطن والمركز الصحي، ويؤثر على صورة المنظومة الصحية برمتها.
الأمراض الموسمية: الوقاية كخيار استراتيجي
تشكل الأمراض الموسمية تحديًا متكررًا في العالم القروي، خاصة مع تغير الفصول. ففي الصيف تكثر حالات التسمم ولسعات الحشرات والعقارب، بينما يشهد الشتاء ارتفاعًا في نزلات البرد والربو والحساسية.
في هذا السياق، تشدد الضيفة على أهمية الوقاية، معتبرة أن "الوقاية خير من العلاج"، وهي مقولة تُنسب إلى ابن سينا. وترى أن تعزيز الثقافة الصحية لدى الساكنة يظل المدخل الأساسي لتقليل الضغط على المراكز الصحية، خصوصًا في ظل محدودية الإمكانيات.
بين الطب العصري والطب التقليدي: إشكالية الثقة والبديل
مع وجود صعوبات في الولوج إلى الخدمات الصحية، يلجأ عدد من المواطنين إلى الطب التقليدي، سواء بدافع الموروث الثقافي أو نتيجة ضعف الثقة في فعالية الخدمات المتاحة.
تؤكد الضيفة أن الطب التقليدي "جزء من الهوية الثقافية"، لكنه قد يتحول إلى خيار اضطراري عندما يشعر المواطن أن الحلول الطبية العصرية بعيدة أو مكلفة. كما تحذر من خطورة الجمع العشوائي بين الطريقتين دون استشارة طبية، لما لذلك من انعكاسات صحية خطيرة.
التوعية الصحية بالأمازيغية: تقريب الخدمة من الناس
اختارت الضيفة أن تقدم محتواها التوعوي باللغة الأمازيغية، انطلاقًا من قناعة بأن إيصال الرسالة بلغة الأم يعزز الفهم والثقة. وتقول في هذا الصدد: "الهدف ديالي هو نوصل الرسالة للناس بلغتهم الأم".
هذا الخيار لم يكن عفويًا، بل جاء استجابة لحاجة حقيقية داخل القرى، حيث لا يتقن جزء من الساكنة اللغة العربية، خاصة كبار السن. وقد لعب هذا التوجه دورًا مهمًا خلال فترات حساسة، مثل حملات التلقيح ضد الحصبة، في تبديد المخاوف وتعزيز الإقبال على التلقيح.
دار الأمومة: مبادرة لحماية الأم والطفل في القرى
إلى جانب عملها المهني، ساهمت الضيفة في تأسيس جمعية تُشرف على دار للأمومة تهدف إلى إيواء النساء الحوامل قبل الولادة وبعدها، خاصة القادمات من مناطق معزولة.
توفر الدار الإقامة، التغذية، والتوعية الصحية للحوامل خلال الشهر التاسع، مع مواكبتهن بعد الولادة لضمان سلامتهن وسلامة المولود. وقد استفادت من هذه المبادرة حوالي 175 امرأة إلى حدود اليوم، رغم استمرار بعض التحديات الاجتماعية المرتبطة بعادات الأسر ونظرتها إلى فكرة الإيواء المؤقت.
بين التكوين الأكاديمي وواقع الميدان
تشير الضيفة إلى وجود فجوة واضحة بين ما يتم تعلمه في معاهد التكوين وما يفرضه الواقع العملي. فالتكوين يمنح الأسس العلمية، لكنه لا ينقل بالكامل مهارات التعامل مع الضغط النفسي، أو إدارة الأزمات، أو التواصل مع ساكنة تعيش أوضاعًا اجتماعية خاصة.
وتعتبر أن الخبرة الميدانية تصقل شخصية الممرض، وتمنحه أدوات إضافية لفهم السياق الإنساني والاجتماعي الذي يحيط بكل حالة مرضية.
خاتمة: نحو إعادة الاعتبار للصحة القروية
يعكس واقع التمريض في العالم القروي بالمغرب صورة مركبة لمنظومة صحية تواجه تحديات بنيوية، من نقص الأطر والموارد إلى إشكالية الثقة وانتشار الطب التقليدي.
غير أن التجارب الميدانية تكشف أيضًا عن التزام مهني عالٍ، وروح إنسانية تسعى إلى سد الفراغات قدر الإمكان. ويبقى دعم الأطر التمريضية، وتعزيز التوعية الصحية، وتحسين شروط العمل في القرى، خطوات أساسية لضمان حق المواطن في خدمة صحية آمنة تحفظ كرامته.
إن تطوير الرعاية الصحية القروية ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق العدالة المجالية وتعزيز الثقة في القطاع الصحي الوطني.
المصدر: مقابلة مصورة ضمن برنامج "بين قوسين" عبر منصة سين ستوديو.
بواسطة نعانعانا
في
فبراير 20, 2026
تقييم:


ليست هناك تعليقات: